محمد بن علي الشوكاني
3556
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
العلوم الشرعية عرف ما لأهلها من الاصطلاحات الدائرة بينهم ، وليس ذلك من الحقائق الشرعية التي تحمل عليها خطابات الشرع في ورد ولا صدر . فالحاصل أنه يجب عند الاختلاف في معنى لفظ من ألفاظ الكتاب والسنة أن يبحث عن كلام أهل اللغة في كتبهم المدونة لهذا الشأن ، ويفسر ذلك اللفظ به إذا لم يتقرر بوجه صحيح مقبول أن الشارع قد هجر لغته ولغة العرب الذين قومه في ذلك الفظ بخصوصه ، ونقله إلى معنى مشهور معروف عند أهل الشرع ، كالصلاة ، والصيام ، والزكاة ، والحج ( 1 ) ، ونحو ذلك . إذا عرفت هذا ، فاعلم أنه لم يشتهر عند المتشرعين أن للغرر المذكور في أحاديث بيع الغرر معنى شرعيا يخالف المعنى اللغوي ، وجميع ما نقله العلامة الشرفي هي معان لغوية لكن منهم من جاء بعبارة عامة بحيث يندرج تحتها جميع أنواع الغرر ، وبعضهم اقتصر على بعض من ذلك ، فمن الناقلين للمعنى العام القاضي عياض ( 2 ) حيث قال : الغرر في اللغة هو ما له ظاهر محبوب ، وباطن مكروه . فإن هذا المعنى يشمل كل نوع من أنواع الغرر ، وهو مثل ما نقله صاحب النهاية ( 3 ) في تفسير الغرر ، فإنه قال : هو ما كان له ظاهر يغري المشتري ، وباطن مجهول . ونقل عن الأزهري ( 4 ) أنه قال : بيع الغرر ما كان على غير عهد ولا ثقة ، ويدخل فيه البيوع التي لا تحيط بكنهها المتبايعان من كل مجهول . انتهى . وهذا هو المعني الأول في العموم ، وهكذا قول القرافي ( 5 ) أصل الغرر هو الذي لا
--> ( 1 ) هذه الألفاظ كانت معلومة لهم ومستعملة عندهم في معانيها المعلومة ومعانيها الشرعية ما كانت معلومة لهم . " البحر المحيط " ( 2 / 158 ) . ( 2 ) ذكر الحافظ في الفتح ( 4 / 356 ) . ( 3 ) ( 3 / 355 ) . ( 4 ) في " تهذيب اللغة " ( 16 / 83 - 84 ) . ( 5 ) انظر " فتح الباري " ( 4 / 357 ) . قال الخطابي في " معالم السنن " ( 3 / 672 ) : أصل الغرر هو ما طوى عنك علمه ، وخفي عليك باطنه وسره ، وهو مأخوذ من قولك طويت الثوب على غرة أي : على كسر الأول وكل بيع كان المقصود منه مجهولا غير معلوم ومعجوزا عنه غير مقدور عليه فهو غرر ، وذلك مثل أن يبيع سمكا في الماء أو طيرا في الهواء ، أو لؤلؤة في البحر ، أو عبدا آبقا ، أو جملا شاردا ، أو ثوبا في جراب لم يره ، ولم ينشره ، أو طعاما في بيت لم يفتحه ، أو ولد بهيمة لم يولد ، أو ثمرة شجرة لم تثمر في نحوها من الأمور التي لا تعلم ولا يدري هل تكون أم لا فإن البيع فيها مفسوخ . وإنما نهى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن هذه البيوع تحصينا للأموال أن تضيع وقطعا للخصومة والنزاع أن يقعا بين الناس فيها . وأبواب الغرر كثيرة وجماعها ما دخل في المقصود منه الجهل .